الشيخ محمد رشيد رضا

448

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شيء جزافا ، وقد أرشد الكتاب الحكيم إلى هذه الحقائق العامة - الثابتة في نفسها ، وان لم يثبت كل ما قالوه من فروعها ومسائلها - بمثل قوله ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) وقوله ( 25 : 2 وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) وقوله حكاية عن رسوله نوح عليه السّلام مخاطبا لقومه ( 71 : 13 ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 14 ) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 15 ) أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 16 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 17 ) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ) فمن دلائل إعجاز الآن أنه يبين الحقائق التي لم يكن يعرفها أحد من المخاطبين بها في زمن تنزيله بعبارة لا يتحيرون في فهمها والاستفادة منها مجملة ، وان كان فهم ما وراءها من التفصيل الذي يعلمه ولا يعلمونه يتوقف على ترقي البشر في العلوم والفنون الخاصة بذلك وقد سبق علماء الاسلام إلى كثير مما يظن الآن ان علماء الإفرنج قد انفردوا به من مسائل نظام الخلق . ومن ذلك قول الفخر الرازي : الأشبه ان هذه المعمورة كانت في سالف الزمان مغمورة في البحار فحصل فيها طين لزج كثير فتحجر بعد الانكشاف وحصل الشهوق بحفر السيول والرياح ولذلك كثرت فيها الجبال . ومما يؤكد هذا الظن أنا نجد في كثير من الأحجار إذا كسرناها أجزاء الحيوانات المائية كالاصداف والحيتان اه يظن بعض قصيرى النظر وضعيفي الفكر أن الخلق الانف - ( بضمتين ) الجزاف ، الذي لا تقدير فيه ولا تدريج نظام - أدل على وجود الخالق وعلى عظمة قدرته ، ويقوي هذا الظن عند بعض الناس ما علم من كفر بعض الباحثين في نظام الخلق والتكوين وسننه بالخالق عز وجل وان كان كفرهم ذهولا واشتغالا عن الصانع بدقة الصنعة ، وتجويزا لحصول النظام فيها بنفسه مصادفة واتفاقا . والصواب المعقول أن النظام أدل الدلائل على الإرادة والاختيار والعلم والحكمة في آثار القدرة ، وعلى وحدانية الخالق ، فان وحدة النظام في العالم اظهر البراهين على وحدة الرب تعالى . وما لا نظام فيه هو الذي قد يخطر في بال رائيه ان وجوده امر اتفاقي أو من قذفات الضرورة العمياء أو بفعل أكثر من واحد . واي عاقل لا يفرق بين كومة من الحصى يراها في الصحراء وبين قصر مشيد فيه جميع ما يحتاج اليه مترفو الأغنياء من حجرات ومرافق ، أفيعقل أن يكون النظام العام في العالم الأكبر